راشد شاتيلا : لبنان… سيادة القانون وروح الوحدة
إن قراءة التجربة اللبنانية عبر محطاتها الكبرى، من الاستقلال إلى الحرب الأهلية وصولًا إلى الأزمات المعاصرة، تكشف أنّ غياب الوحدة لم يكن حدثًا عابرًا، بل مدخلًا لانهيارات متتالية. فحين ضعفت الهوية الوطنية الجامعة، تقدّمت الهويات الفرعية لتملأ الفراغ، وتحول الانقسام إلى بنية سياسية تُدار بها الدولة بدل أن تُعالَج. ومن هنا، فإن أي مشروع نهوض لا يبدأ فقط من الاقتصاد أو الإدارة، بل من إعادة بناء الوعي الوطني على قاعدة الشراكة والتعاون، لا على قاعدة الغلبة والانفراد بالسلطة.
لكن الوحدة، في معناها العميق، لا تتحقق بالشعارات أو بالتسويات المؤقتة، بل تحتاج إلى إطار ناظم يحميها ويمنع انزلاقها إلى الفوضى، وهذا الإطار هو سيادة القانون. فالقانون، في الدولة الحديثة، ليس مجرد نصوص جامدة، بل هو التعبير العملي عن العقد الاجتماعي الذي يربط المواطنين بعضهم ببعض ويحدّد علاقة كل فرد بالسلطة. وعندما يضعف هذا العقد، تتحول الدولة إلى ساحة تنازع، وتفقد المؤسسات قدرتها على فرض النظام والعدالة.
لقد أظهرت التجربة اللبنانية أنّ أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة ليس فقط ضعف القوانين، بل انتقائيتها في التطبيق. فالقانون الذي لا يُطبَّق على الجميع يفقد شرعيته، ويولد شعورًا عامًا بالظلم، ما يدفع الأفراد إلى البحث عن بدائل خارج إطار الدولة. وهنا تبدأ الحلقة المفرغة: ضعف القانون يولّد الفوضى، والفوضى تُبرّر مزيدًا من الخروج على القانون. لذا، فإن إعادة الاعتبار لسيادة القانون تُشكّل المدخل الحقيقي لاستعادة ثقة المواطن بالدولة، وتحويل الالتزام القانوني إلى ممارسة وطنية راقية تعكس انتماءً حقيقيًا.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال البُعد الاقتصادي، الذي يبرز هشاشة لبنان نتيجة تراكم السياسات غير المنتجة. فالاقتصاد الذي ارتكز تاريخيًا على الخدمات والتحويلات أصبح هشًا أمام الأزمات، خصوصًا مع غياب سياسات إنتاجية مستدامة. وهنا يظهر دور المغتربين اللبنانيين كرافعة حقيقية، ليس فقط عبر التحويلات المالية، بل عبر خبراتهم العالمية وثقافة العمل القائمة على الكفاءة والمساءلة.
إن التحوّل إلى اقتصاد منتج لا يتحقق إلا بدمج طاقات الاغتراب في مشاريع إنتاجية مستدامة، خصوصًا في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد المعرفي. والمغترب اللبناني، حين يجد بيئة قانونية عادلة وواضحة، يمكن أن يصبح شريكًا استراتيجيًا في نهضة وطنه، محوّلًا رأس المال والخبرة إلى مشاريع تولد فرص عمل وتعيد الأمل للشباب في الداخل.
وبناء عليه، فإن معادلة النهوض في لبنان قائمة على ثلاث ركائز مترابطة: وحدة وطنية صلبة، وسيادة القانون كأساس للعدالة والمساواة، ودور فاعل للمغتربين في الاقتصاد الوطني. هذه الركائز ليست عناصر منفصلة، بل منظومة متكاملة، يعزز كل عنصر فيها الآخر، لتخرج الدولة من أزماتها البنيوية وتعيد تشكيل مستقبل مستدام.
إلى جانب الوحدة الوطنية وسيادة القانون، يشكّل التطور التكنولوجي والتعليم رافعة أساسية للنهوض. فالتعليم الجيد والتقنيات الحديثة يزودان الشباب بالمهارات اللازمة لمواجهة تحديات العصر، ويحوّلان لبنان إلى مجتمع منتج قادر على الابتكار والمنافسة العالمية. ومع دعم المغتربين لهذه القطاعات، يصبح الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا أساسًا حقيقيًا لاستقرار الدولة وازدهارها المستدام.
في المحصلة، لبنان ليس أمام أزمة عابرة، بل أمام لحظة تأسيس جديدة تحدد ملامح مستقبله لعقود قادمة. فإما أن ينتقل من منطق الجماعات إلى منطق الدولة، ومن اقتصاد ضعيف إلى اقتصاد الإنتاج، ومن الفوضى إلى سيادة القانون، أو أن يبقى أسير أزماته المتكررة. وبين هذين الخيارين، يبقى الرهان على وعي المواطنين وقدرتهم على تحويل المحنة إلى فرصة، وصياغة عقد وطني جديد يليق بتاريخهم وتطلعاتهم، ويثبت أنّ لبنان دولة القانون، والشعب الواحد، والمستقبل الواعد.
راشد شاتيلا محلل سياسي لبناني خبير في الذكاء الاصطناعي و إدارة البيانات
