راشد شاتيلا : الإنسان حين يسمو… يصنع قدره لا ينتظره
في عالمٍ يزداد ضجيجًا، تصبح القيمة الحقيقية للإنسان في قدرته على أن يكون صوته الداخلي أعلى من صخب الخارج. فليست العظمة أن يسمعك الجميع، بل أن تقول ما يستحق أن يُسمع، وأن تعيش ما يستحق أن يُخلَّد.
لقد خُلق الإنسان لا ليكون رقمًا في سجل الزمن، بل ليكون أثرًا فيه. غير أن هذا الأثر لا يُقاس بحجم ما نملك، بل بعمق ما نُغيّر. فكم من إنسانٍ عاش طويلًا ولم يترك وراءه سوى صمتٍ عابر، وكم من آخر مرّ سريعًا لكنه زرع في التاريخ فكرةً لا تموت.
إن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل إنسان على نفسه ليس: ماذا سأصبح؟ بل لماذا سأكون؟ . لأن الغاية هي التي تمنح الطريق معناه، وهي التي تحوّل السعي من مجرد حركةٍ إلى رسالة. ومن دون رسالة، يصبح النجاح مجرد صورةٍ جميلة تخفي فراغًا عميقًا.
في هذا العصر، تُغري السرعة الإنسان بأن يختصر الطريق، لكن القيم لا تُختصر. تُغريه القوة بأن يفرض حضوره، لكن الحضور الحقيقي يُبنى لا يُفرض. وتُغريه المصالح بأن يساوم على مبادئه، لكن من يبيع مبدأه، يخسر ذاته قبل أن يخسر العالم.
إن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه الإنسان، ليس أن يصل إلى القمة، بل أن يصل إليها دون أن يفقد إنسانيته. فالقمة التي تُبنى على حساب الآخرين، ليست قمة، بل سقوطٌ مؤجل. أما القمة التي تُرفع عليها القيم، فهي التي تصنع التاريخ وتمنح صاحبها خلودًا معنويًا يتجاوز الزمن.
ولأن العالم اليوم يقف عند مفترق طرق، بين إنسانٍ تقوده المادة، وإنسانٍ تقوده القيم، فإن المستقبل لن يكون لمن يملك أكثر، بل لمن يفهم أكثر. لمن يدرك أن القوة الحقيقية ليست في السيطرة، بل في التأثير، وأن أعظم تأثير هو ذاك الذي يُلهم الآخرين ليكونوا أفضل.
إن التغيير لا يبدأ من العالم، بل من فكرةٍ صادقة في عقلٍ واحد، من موقفٍ شجاع في لحظةٍ حاسمة، من كلمةٍ صادقة تُقال حين يسود الصمت. فكل تحوّلٍ كبير في التاريخ، بدأ بشخصٍ آمن أن بإمكانه أن يكون مختلفًا.
ومن هنا، يصبح الإنسان مشروعًا بحد ذاته: مشروع وعي، مشروع أخلاق، مشروع أمل. فإذا نجح في بناء نفسه، استطاع أن يبني ما حوله. وإذا فشل في فهم ذاته، فلن تنقذه كل إنجازاته الخارجية.
إن الطريق إلى العظمة ليس سهلًا، لكنه واضح: صدقٌ في النية، ثباتٌ في المبدأ، وجرأةٌ في الحلم. فمن امتلك هذه الثلاثة، لم يعد يسير خلف الزمن، بل صار يصنعه.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: أن العالم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الأقوياء، بل إلى مزيدٍ من الصادقين. لأن الصدق هو الذي يمنح القوة معناها، وهو الذي يحوّل الإنجاز إلى رسالة، والحياة إلى قيمة.
فكن إنسانًا لا ينتظر الفرصة، بل يصنعها… لا يبحث عن مكانٍ في العالم، بل يصنع لنفسه معنى فيه. وعندها فقط، لن تكون مجرد عابرٍ في التاريخ، بل أحد الذين كتبوه.
راشد شاتيلا محلل سياسي لبناني خبير في الذكاء الاصطناعي و إدارة البيانات
