راشد شاتيلا : القانون طريق السلام حماية الإنسان والبيئة وحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة
لم يعد السلام العالمي ترفًا فكريًا يُستحضر في المناسبات، بل صار ضرورةً عقلانية لحماية الإنسان من دورة الدمار المتكررة. فالحرب، مهما تبدّلت شعاراتها، لا تترك وراءها سوى خرابٍ في الحجر والضمير معًا، وتؤسس لعداوات جديدة تُغذّي أزماتٍ لاحقة. ومن هنا، فإن السلام ليس حالة عاطفية، بل مشروعٌ طويل النفس يقوم على قواعد واضحة تمنع الانزلاق نحو العنف، وتؤكد أن كرامة الإنسان هي الحدّ الذي لا يجوز تجاوزه.
المرتكز الأول لهذا المشروع هو احترام القوانين. فالقانون ليس زينة دولة، بل هو روحها العملية: يضبط السلطة كي لا تنفلت، وينظّم الحرية كي لا تتحول إلى فوضى، ويحمي الحقوق كي لا تبقى مجرد خطب. عندما يشعر المواطن أن القانون عادلٌ ومتاحٌ للجميع، تتراجع دوافع العنف، لأن الناس تملك طريقًا شرعيًا لاسترداد الحق. أما حين يصبح القانون انتقائيًا أو قابلًا للتعطيل، فإن المجتمع يقرأ رسالة واحدة: أن العدالة ليست مبدأ بل مصلحة، وهنا يبدأ التصدع.
ولا يمكن بناء سلامٍ خارجي ثابت في دولةٍ تهتز داخليًا أمام أول خلاف. إن سلام الدول يبدأ من مؤسساتها: دستور محترم، قضاء مستقل، أجهزة تُحاسَب، وإدارة شفافة لا تُهين الناس ولا تبتزهم. فالظلم المتراكم هو مادة الانفجار، والتمييز هو وقود التوتر، وغياب المساءلة هو دعوة غير معلنة لتكرار الانتهاك. احترام القوانين في الداخل يسبق الحديث عن السلام في الخارج، لأنه يُنتج شعورًا عامًا بالأمان والانتماء، ويُضعف منطق العصبيات.
وعلى المستوى الدولي، تبقى القواعد القانونية والاتفاقات هي الإطار الوحيد لتقليل منطق الغلبة. غير أن القانون الدولي يفقد معناه حين يُستخدم بوجه طرفٍ ويُغضّ الطرف عن طرفٍ آخر. الانتقائية تقتل الثقة بالنظام الدولي، وتدفع الدول والشعوب إلى الاعتقاد بأن الحق لا يُحمى إلا بالقوة. لذلك فإن سلام العالم يحتاج إلى معيارٍ ثابت في تطبيق القواعد، وإلى آلياتٍ واضحة لتسوية النزاعات ومحاسبة المخالفات، بعيدًا عن المزاج السياسي وتقلب المصالح.
ومما يغفل عنه كثيرون أن الحرب ليست مأساة بشرية فقط، بل مأساة بيئية أيضًا. فالنيران لا تحرق البيوت وحدها، بل تحرق الغابات والحقول؛ والدمار لا يسقط على المدن فحسب، بل يلوّث الهواء والمياه والتربة. الركام والنفايات الخطرة والتسربات والحرائق تترك أثرًا صحيًا طويل الأمد، وقد تتحول البيئة المدمرة إلى سبب جديد للنزاع بسبب شح الموارد وتدهور شروط الحياة. من هنا، يصبح احترام القوانين البيئية جزءًا أصيلًا من فكرة السلام، لا ملحقًا لها.
وفي قلب الصورة الأكثر قسوة، تظهر فئةٌ غالبًا ما تُدفع إلى الظل: ذوو الاحتياجات الخاصة. إنهم ضحايا الحرب لأنهم أول من يتأثر بانهيار الخدمات، وأصعب من ينجو عند النزوح، وأكثر من يعاني عند انقطاع الدواء أو فقدان الأجهزة المساعدة أو غياب الإتاحة في الملاجئ والمستشفيات. كما أن الحروب تُنتج إعاقات جديدة وتترك جراحًا نفسية قد تعادل الجراح الجسدية. لذلك فإن احترام القوانين يجب أن يتجسد هنا بصورة عملية: ضمان الإتاحة، توفير الرعاية والتأهيل، منع التمييز، وتأمين الحماية ضمن خطط الطوارئ والإغاثة.
إن توعية الجيل الجديد على السلام تبدأ من المدرسة والبيت والإعلام: تعليم احترام القانون بوصفه طريقًا للحق لا قيدًا على الحرية، وتعليم حماية البيئة بوصفها أمنًا صحيًا واقتصاديًا لا “ترفًا”، وتعليم احترام ذوي الاحتياجات الخاصة بوصفه معيار عدالة المجتمع. فالشباب عندما يفهمون أن الدولة تُقاس بقدرتها على حماية الضعيف قبل القوي، يصبحون أقل قابلية للانجرار خلف خطاب الكراهية وأكثر قدرة على بناء حلول سلمية.
الخلاصة أن السلام العالمي لا يتحقق بالنيات وحدها، ولا بالنداءات التي تنتهي بانتهاء المناسبات، بل بمنظومة قانونية متماسكة وعادلة: قانون يحمي الحقوق ويضبط السلطة ويمنع الانتقام، وقانون دولي يُطبّق بمعيار واحد، وقوانين بيئية تصون الطبيعة لأنها حياة الإنسان، وتشريعات تضمن كرامة ذوي الاحتياجات الخاصة وتمنع تحويلهم إلى ضحايا صامتين. حين ينتصر القانون بهذه المعاني، يصبح السلام أكثر من هدنة؛ يصبح ثقافة دولة، وضمير مجتمع، وحصانة مستقبل.
راشد شاتيلا سياسي لبناني مختص في الذكاء الاصطناعي و إدارة البيانات
https://chat.whatsapp.com/EHsU2LNGwUq2fvMELiQLX4
https://www.instagram.com/lbnow_/profilecard/?igsh=djVvbmJycDF5OTJq
